خطاب الكراهية في القانون الأردني: بين حماية السلم المجتمعي وصون حرية التعبير
بقلم المحامي هشام حسين الخصاونه
المتابع الاخباري
بقلم المحامي هشام حسين الخصاونه
لم يعد خطاب الكراهية مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح تحديًا قانونيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود المجالس العامة إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لمنشور واحد أو تعليق متداول أن يثير الانقسام، أو يحرض على العنف، أو يستهدف فئة من المجتمع بسبب معتقدها أو انتمائها. وفي ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، تبرز أهمية التشريعات الأردنية في مواجهة هذه الظاهرة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وضمان حرية الرأي والتعبير.
أولًا: ما المقصود بخطاب الكراهية؟
يقصد بخطاب الكراهية، في معناه العام، التعبير الذي ينطوي على تحريض على العداء أو التمييز أو العنف ضد أشخاص أو جماعات بسبب انتمائهم الديني أو العرقي أو غير ذلك من الخصائص التي تجعلهم عرضة للاستهداف. غير أن تحديد المسؤولية القانونية لا يجوز أن يستند إلى مجرد وصف كلام بأنه مسيء أو مستفز، بل يتطلب الرجوع إلى النص التشريعي المنطبق، وطبيعة العبارات المنشورة، وسياقها، ومدى توافر الأركان القانونية للجريمة.
ومن المهم التمييز بين خطاب الكراهية وبين النقد المشروع للأفكار أو السياسات أو المؤسسات أو الممارسات العامة؛ فليس كل خلاف في الرأي تحريضًا، وليس كل تعبير حاد جريمة. إنما تكمن المسألة في تجاوز حدود التعبير المشروع إلى الأفعال التي جرمها القانون صراحة.
ثانيًا: موقف التشريع الأردني من خطاب الكراهية
اتجه المشرّع الأردني إلى مواجهة بعض صور خطاب الكراهية من خلال نصوص قانون العقوبات، إلى جانب التشريعات التي تنظم الجرائم المرتكبة باستخدام الوسائل الإلكترونية.
وفي هذا الإطار، تبرز المادة (150) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، التي تتناول الكتابة أو الخطاب أو العمل الذي يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة. وتكشف هذه المادة عن اهتمام المشرّع بحماية السلم المجتمعي ومنع الأفعال التي من شأنها تأجيج الانقسام بين مكونات المجتمع.
كما صدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، الذي أفرد في المادة (17) حكمًا خاصًا لبعض صور النشر الإلكتروني الضار بالسلم المجتمعي. إذ يعاقب النص على الاستخدام المقصود للشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوى من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو استهداف السلم المجتمعي، أو الحض على الكراهية، أو الدعوة إلى العنف أو تبريره، أو ازدراء الأديان.
وتتمثل العقوبة المنصوص عليها في هذه المادة في الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، أو غرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني ولا تزيد على عشرين ألف دينار، أو كلتا العقوبتين.
ويعكس هذا النص إدراك المشرّع لخطورة توظيف الوسائل الرقمية في نشر محتوى قد يهدد السلم المجتمعي. فحرية النشر لا تعني منح الأفراد حصانة قانونية لتبرير العنف أو التحريض على الكراهية، كما أن استخدام الحسابات الشخصية لا يعفي من المسؤولية متى توافرت أركان الجريمة وشروط إسنادها إلى مرتكبها.
ثالثًا: هل كل منشور مسيء يشكل جريمة كراهية؟
الإجابة القانونية تقتضي التمييز بين الإساءة الشخصية، والذم والقدح، والتحريض على العنف، وإثارة النعرات، والمحتوى الذي يستهدف السلم المجتمعي. فهذه الأفعال قد تختلف في طبيعتها وأركانها والنصوص القانونية التي تحكمها.
وعليه، لا يصح اعتبار كل منشور مثير للجدل أو كل رأي مخالف جريمة كراهية بصورة تلقائية. بل ينبغي فحص مضمون المنشور، والعبارات المستخدمة، والغاية والسياق، والوسيلة التي استُخدمت في النشر، ومدى انطباق النص القانوني على الواقعة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في مجتمع تعددي، تتباين فيه الآراء والاجتهادات والمواقف. فالتوسع غير المنضبط في تفسير النصوص الجزائية قد يؤدي إلى الخلط بين النقد المشروع والتحريض المجرّم، في حين أن التضييق المفرط في تطبيقها قد يضعف الحماية القانونية للأفراد والجماعات المستهدفة بالكراهية.
رابعًا: حرية التعبير ليست نقيضًا لمكافحة الكراهية
يستند النقاش حول خطاب الكراهية إلى معادلة دستورية وحقوقية دقيقة؛ فمن جهة، يتعين على الدولة حماية الأفراد من التحريض والتمييز والعنف، ومن جهة أخرى، يجب صون حرية الرأي والتعبير باعتبارها من الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور الأردني في المادة (15)، ضمن الحدود التي يقررها القانون.
وعلى المستوى الدولي، يكتسب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أهمية خاصة؛ إذ تحمي المادة (19) حرية التعبير، بينما تتناول المادة (20) حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف.
وقد أكد المركز الوطني لحقوق الإنسان، في ملاحظاته على قانون الجرائم الإلكترونية وتقييم أثره التشريعي، أهمية ضبط الأفعال المجرّمة المتعلقة بخطاب الكراهية وتحديد عناصرها بصورة واضحة، بما ينسجم مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وهذا يبرز أن فاعلية مكافحة الكراهية لا تتحقق بمجرد تشديد العقوبات، وإنما تتطلب أيضًا دقة النصوص ووضوحها وضمان التطبيق المنضبط لها.
خامسًا: مسؤولية المجتمع في مواجهة خطاب الكراهية
إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية القضاء والأجهزة المختصة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية.
فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بتعزيز الخطاب المسؤول، وتجنب نشر المحتوى الذي يؤجج الانقسامات دون ضرورة مهنية، كما يتحمل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية التحقق من المعلومات قبل تداولها، والابتعاد عن التعميمات التي تستهدف جماعات بأكملها، وعدم تحويل الاختلاف الفكري أو السياسي أو الديني إلى خصومة اجتماعية.
وتؤدي التربية على المواطنة واحترام التنوع وقبول الآخر دورًا محوريًا في الحد من هذه الظاهرة؛ لأن القانون، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده بناء ثقافة مجتمعية قائمة على الاحترام المتبادل.
سادسًا: نحو تطبيق قانوني أكثر وضوحًا وتوازنًا
إن تطوير المواجهة القانونية لخطاب الكراهية في الأردن يقتضي العمل على عدد من المسارات المتكاملة، أبرزها:
1. وضوح النصوص القانونية: تحديد الأفعال التي تشكل تحريضًا مجرّمًا، بما يحد من التوسع في التفسير ويعزز مبدأ الشرعية الجزائية.
2. التناسب بين الفعل والعقوبة: مراعاة خطورة السلوك وظروف ارتكابه والآثار المترتبة عليه، وفقًا للقواعد القانونية الواجبة التطبيق.
3. ضمانات المحاكمة العادلة: احترام قرينة البراءة وحق الدفاع، وعدم اعتبار مجرد تداول رأي مثير للجدل دليلًا كافيًا على ارتكاب جريمة.
4. تعزيز الوعي القانوني الرقمي: نشر ثقافة الاستخدام المسؤول للمنصات الإلكترونية، وتعريف المواطنين بحدود التعبير المشروع وآثار التحريض على الكراهية والعنف.
5. دعم البحث والرصد المؤسسي: دراسة أنماط خطاب الكراهية وآثار تطبيق النصوص القانونية، والاستفادة من النتائج في تطوير التشريعات والسياسات العامة.
خاتمة: القانون يحمي المجتمع دون أن يصادر الاختلاف
إن خطاب الكراهية يمثل تحديًا حقيقيًا للسلم المجتمعي، ولا سيما عندما يتحول من التعبير العدائي إلى التحريض على العنف أو التمييز أو إثارة النعرات. وقد وفر التشريع الأردني أدوات قانونية لمواجهة بعض هذه الأفعال، وفي مقدمتها المادة (150) من قانون العقوبات والمادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية.
غير أن نجاح المواجهة لا يقاس بعدد العقوبات وحده، بل بمدى قدرة القانون على حماية الأفراد والمجتمع، مع المحافظة على مساحة آمنة للنقاش والنقد وتبادل الآراء. فالمجتمع القوي ليس هو الذي يخلو من الاختلاف، وإنما هو الذي يدير اختلافاته بالحوار والقانون، ويرفض تحويلها إلى كراهية أو عنف

author — موقع المتابع الاخباري.
جميع مقالات الكاتب ›مقترحة بحسب الكلمات المفتاحية المشتركة
اخبار الاردن
اخبار الاردن
اخبار الاردن- مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي والاستعداد المسبق*
- جورامكو تستقبل الدفعة الأولى من طائرات كوندور لبدء أعمال الصيانة في إطار اتفاقيتهما الممتدة لخمس سنوات
- صفوة الإسلامي الراعي البرونزي لمعرض سوفكس 2026
- الجمارك الأردنية تفتتح مشروع تعزيز منظومة الأمن الجمركي في العقبة بمنحة يابانية
- البنك العربي الإسلامي الدولي يعلن عن الفائزين بـ جوائز حسابات التوفير للربع الثالث لعام 2026







التعليقات (…)
أضف تعليقك
تخضع التعليقات للمراجعة قبل النشر، وتعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع. يُحذف أي تعليق يتضمن إساءة أو تحريضاً.